ـ نـصّ الـقـاعـدة : القياس(1)

توضيح القاعدة :

للقياس اصطلاحان:

المصطلح الاوّل : وهو المسلك الذي يخضع النصوص الشرعيّة للعقل، فما وافق العقل أخذ به وما خالف العقل تُرك.

وعلى هذا الاساس يكون الانسان قادراً على معرفة العلل الواقعيّة للاحكام الشرعيّة بواسطة عقله ويجعلها هي المقياس لصحّة النصوص الشرعيّة(2).

وهذا المعنى من القياس هو الذي وقف منه أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)ـ وبالخصوص الامام الصادق(عليه السلام) ـ وقفة المدافع عن الشريعة لابطاله; لا نّه يؤدّي إلى التلاعب بالشريعة ويمسخ أحكامها باسم مخالفة القياس، فهو خطر عظيم على شريعة الاسلام، ومن أمثلة هذا القياس:

1 ـ ما رواه أبان: قال قلت لابي عبدالله (الامام الصادق)(عليه السلام)، ما تقول في رجل قطع اصبعاً من أصابع امرأة كم فيها؟ قال: عشرة من الابل.

قلت : قطع اثنتين؟ قال عشرون.

قلت : قطع ثلاثة؟ قال ثلاثون.

قلت : قطع أربعاً؟ قال عشرون.

قلت : سبحان الله، يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قال ونقول: إنّ الذي قاله شيطان.

فقال(عليه السلام): مهلاً يا أبان هذا حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله) «إنّ المرأة تعاقل الرجل الى ثلث الديّة، فاذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف. يا أبان إنك اخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين(3).

2 ـ وقال ابن جميع: دخلتُ على جعفر بن محمد (الامام الصادق)(عليه السلام) أنا وابن أبي ليلى وأبو حنفية، فقال لابن أبي ليلى: مَنْ هذا معك؟ قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين. قال: لعلّه يقيس أمر الدين برأيه(4) ثمّ قال له: جعفر(عليه السلام)كما في رواية ابن شبرمة:

«أيّهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟ قال: قتل النفس.

قال: فانّ الله عزّ وجلّ قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلاّ أربعة.

ثمّ قال: أيّهما أعظم الصلاة أو الصوم؟ قال: الصلاة.

قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟

فكيف ويحك يقوم لك قياسُك؟ اتقِ الله ولا تقس الدين برأيك»(5).

ونتيجة لهذه المعركة الفكريّة في عهد الامام الصادق(عليه السلام) تضاءل استعمال هذا المصطلح على السنة المتأخّرين وكاد ان يهجر هذا المعنى حتّى على ألسنة أهل السنّة الّذين يقولون بحجيّة القياس ولكنه بمعنى آخر(6).

المصطلح الثاني : هو عبارة عن «الاستواء بين الفرع والاصل في العلة المستنبطة من حكم الاصل»(7).

وأركانه أربعة:

الاصل: وهو المقيس عليه.

والفرع: وهو المقيس.

والحكم: وهو الاعتبار الشرعي على الاّصل.

والعلّة: وهي الجهة المشتركة بينهما التي بنى الشارع حكمه عليها في الاصل.

وواضح من هذه الاركان أنّ القياس إنّما يصار اليه في مورد لم يرد فيه نصّ شرعي وإذا استوى الفرع والاصل في العلّة المستنبطة فانّ «الفرع ينبغي أن يكون محكوماً عند الشارع بمثل حكم الاصل للعلّة المشتركة بينهما»(8).

وممّا لا يخفى أنّ جمهور علماء أهل السنّة قالوا بجريان القياس في الاحكام الشرعيّة كالحدود والكفّارات، فيجوز التمسك به لاتيان كلّ حكم من الحدود والكفّارات والرخص والتقديرات، إذ وجدت شرائط القياس فيها(9).

أمـّا الاماميّة: فقد أبطلوا العمل بالقياس تبعاً لائمّة أهل البيت عليهم السلام، وكذا لم يعمل بالقياس، أهل الظاهر المعروفين بالظاهريّة وكذا الحنابلة(10).

مستند القاعدة :

أمّا المصطلح الاوّل للقياس فلا يقول به أحد فيما نعلم الان.

أمّا المصطلح الثاني للقياس فقد يقال في دليله: إذا قويت وجوه الشبه بين الاصل والفرع وتعددّت يقوى في النفس احتمال جريان حكم الاصل إلى الفرع حتّى يكون ظنّاً قويّاً(11). ولكن مع هذا نحتاج الى دليل شرعي يدلّ على حجّيّة هذا الظنّ، فهل يوجد هذا الدليل الشرعي؟

والجواب : عند الاماميّة:

1 ـ لم يرد من الشارع المقدّس دليل يدلّ على اثبات حجّيّة القياس الظنّي، فيكون الظن القياسي داخلاً تحت الردع عن العمل بمطلق الظنّ كقوله تعالى: (إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً) وقوله تعالى: (ءالله أذن لكم أم على الله تفترون)إذ دلّتا على أنّ إسناد الحكم إلى الشارع من دون إذن من الله فهو افتراء ومخالف للحقّ.

2 ـ وردت النصوص الكثيرة الدالّة على الردع عن القياس الظنّي من السنّة الشريفة ـ كما ورد وشاع عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ـ «إنّ دين الله لا يصاب بالعقول» و «أنّ السنّة اذا قيست محق الدين»(12).

«وقد بلغت الروايات المانعة عن العمل بالقياس الى خمسمائة رواية تقريباً»(13).

ولهذا فنحن نعرض عن ذكرها هنا ومن أراد المراجعة فعليه بكتب الاحاديث(14).

3 ـ وقد ادعى الفريد البهبهاني (رحمه الله) في بعض رسائله من كون عدم جواز العمل بالظنّ القياسي بديهيّا (عند الاماميّة) عند العوام فضلاً عن العلماء(15).

4 ـ والعقلاء يقبّحون من يتكلف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده عن المولى ولو كان عن جهل مع التقصير(16).

5 ـ على أنّ الشكّ في حجّيّة الظنّ أو حجّيّة القياس بالخصوص تساوق عدم الحجّيّة، والقطع بعدمها كما قرّر ذلك في الاُصول.

ملاحظة : أنّ الادلّة التي تذكر لحجّيّة القياس عند أهل السنّة من القرآن والسنة والعقل والاجماع ـ إنْ تمّت(17) ـ فهي تدلّ على حجّيّة أصل القياس، والقدر المتيقّن منه (كما سياتي) فيما إذا علمت العلّة للحكم في الاصل وعلم وجودها في الفرع، فيستحيل تخلّف الحكم عن العلّة التامّة، أو كان القياس قياس أولويّة حين يفهم من النصّ التعدّي إلى كلّ ما هو أولى في علّة الحكم.

 التطبيقات :

لا يوجد تطبيقات للقياس بالمعنى الاوّل عند الاماميّة حيث وقف الائمّة من أهل البيت وقفة المدافع عن الشريعة المقدّسة وهذا واضح من محاججات الامام الصادق(عليه السلام) مع من يقول به.

وكذا لا يوجد تطبيقات للقياس بالمعنى الثاني (الاستواء بين الفرع والاصل في العلّة المستنبطة من حكم الاصل) لعدم قيام الدليل على حجّيّة هذا الظنّ الناشىء من التشابه بين الاصل والفرع، بل قام الدليل على عدم حجّيّة هذا التشابه الظنّي، كما تقدم ذلك.

 الاستثناءات :

هناك استثناءان من عدم حجّيّة القياس وهما:

1 ـ قياس منصوص العلّة : «إذا علمنا ـ بطريقة من الطرق ـ أنّ جهة المشابهة علّة تامّة لثبوت الحكم في الاصل عند الشارع، ثمّ علمنا أيضاً بانّ هذه العلّة التامّة موجودة بخصوصيّاتها في الفرع، فانّه لا محالة يحصل لنا على نحو اليقين استنباط أنّ مثل هذا الحكم ثابت في الفرع كثبوته في الاصل، لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته التامّة ويكون من القياس المنطقي البرهاني الّذي يفيد اليقين»(18) وهذا النوع من القياس لا إشكال في حجّيّته عند جميع الفقهاء. فقد روى محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الامام الرضا(عليه السلام) أ نّه قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لانّ له مادّة»(19)فالظاهر منه أنّ كلّ ماء له مادة واسع لا يفسده شيء وماء البئر هو أحد مصاديق الموضوع العامّ. ولكن لا نستظهر شمول العلّة (لانّ له مادّة) لكلّ ماله مادّة وإن لم يكن ماء مطلقاً فلا نتعدّى الى الماء المضاف الّذي له مادّة إلاّ بالقياس، وهو ليس بحجّة(20).

وروى علي بن رئاب عن الامام الصادق(عليه السلام) ـ في سقوط خيار الحيوان فيمن اشترى جارية وتصرّف بها ـ أ نّه قال: «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل الثلاثة الايام فذلك رضاً منه، فلا شرط له»(21) بناءً على أنّ جواب الشرط هو لا شرط له، وعلّته هو الرضا من المشتري بالبيع. فنفهم أنّ الرضا بالبيع هو علّة مستقلّة ومتعدّيّة لسقوط الخيار(22).

2 ـ قياس الاولويّة أو ( مفهوم الموافقة ) : وهو عبارة عن كون اقتضاء الجامع للحكم في الفرع أقوى وآكد منه في الاصل. كما في النهي الوارد في كتاب الله عن التأفف من الوالدين: (ولا تقل لهما اُفٍّ) القاضي بتحريم ضربهما وشتمهما وتوجيه الاهانة اليهما الذي هو أشدّ إهانة من التأفّف(23).

ملاحظة : قد يقال: إنّ القياس المنصوص العلّة وقياس الاولويّة، هو من باب الاخذ بالظواهر، لانّ العلّة إذا كانت عامّة ينقلب موضوع الحكم من كونه خاصّاً بالمعلّل (الاصل) إلى كون موضوعه كلّ مافيه العلّة. وكذا الامر في قياس الاولويّة حيث يفهم من النصّ الوارد في حرمة التأفّف التعدّي إلى كل ماهو أولى في علّة الحكم(24). ولكنّ المهمّ هو حجّيّة ما يفهم من النصّ، سواء كان بعنوان القياس المنصوص العلّة أو قياس الاولويّة، أو بعنوان حجّيّة الظهور، ولا مشاحّة في الاصطلاح.


 

(1) الاُصول العامّة للفقه المقارن : 301 واصول الفقه 3: 179.

(2) الاُصول العامّة للفقه المقارن : 306.

(3) وسائل الشيعة 19 : 268، الباب 44 من أبواب ديات الاعضاء، الحديث الاوّل.

(4) حلية الاولياء، لابن نعيم الاصبهاني 3 : 197 مطبعة السعادة بمصر، ورواها ابن أبي ليلى كما في الاحتجاج بما يقرب من هذه الالفاظ 2: 110، كما رواها في الوسائل عن أبن أبي ليلى أيضاً 18 : 20، الباب 6 من أبواب صفات القاضي الحديث 52 و26 و27.

(5) المصدر السابق (حلية الاولياء) ورويت أيضاً في الاحتجاج 2: 116 ورويت في وسائل الشيعة 18: 20 الباب 6 من أبواب صفات القاضي الحديث 25 و 28.

(6) راجع الاُصول العامّة للفقه المقارن : 306 و 328 ـ 330.

(7) المصدر السابق نقلاً عن الاحكام في اُصول الاحكام للامدي 3 : 4.

(8) اصول الفقه 3 : 183.

(9) اصول الفقه الاسلامي / لوهبة الزحيلي 1 : 706.

(10) راجع اصول الفقه 3 : 183.

(11) المصدر السابق / 186.

(12) راجع اصول الفقه 3 : 181.

(13) مصباح الاصول 2 : 196.

(14) راجع وسائل الشيعة 18: 20 الباب 6 من أبواب صفات القاضي، اصول الفقه الاسلامي لوهبة الزحيلي 1 : 614 و 615 عن ملحق ابطال القياس والرأي لابن حزم ص56 وما بعدها، ونصب الراية 4 : 64 وتلخيص الحبير 4 : 195.

(15) راجع فرائد الاصول 1: 126.

(16) وهذا يختلف عن الاحتياط الّذي ناتي به لاحتمال كونه من الشارع المقدّس أو رجاء أن يكون منه، فان هذا أمر حسن بشرط أن لا يعارضه احتياط آخر أو ثبت من دليل آخر (كالاستصحاب) وجوب العمل على خلافه، بخلاف التعبّد والتديّن بالظنّ ونسبته الى الشارع من دون علم بذلك فانّه قبيح عقلاً. راجع فرائد الاُصول 1 : 126.

(17) راجع الادلّة مع المناقشة في كتاب الاُصول العامّة للفقه المقارن: 332 وما بعدها وكتاب اُصول الفقه 3 : 191 ـ 199.

(18) اصول الفقه 3 : 186.

(19) وسائل الشيعة 1: 102، الباب 3 من أبواب الماء المطلق الحديث 12.

(20) راجع اصول الفقه 3 : 201.

(21) وسائل الشيعة 12 :350، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث الاوّل.

(22) راجع مكاسب الشيخ الانصاري 2 : 226 (الطبعة الحجريّة) في مبحث خيار الحيوان.

(23) راجع اصول الفقه 3 : 202 وراجع الاصول العامة للفقه المقارن : 317.

(24) راجع اصول الفقه 3 : 200 و 202.